عبد الوهاب الشعراني

293

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وانقباضه إذا أكلت وحدي ، فأحس باللقمة تنزل في جوفي مظلمة موحشة ، فإذا دعوت أحدا للأكل معي ولو واحدا زال ذلك هذا جربته في نفسي كما جربت ذلك في الصلاة في الجماعة والصلاة وحدي ، من حيث إن كلا من الجماعتين مطلوب شرعا . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يربيه حتى يخرجه عن شح النفس ، ويعطل صفته وعن ، الاستعمال ، فإنه جبلي في النشأة ولذلك قال تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [ الحشر : 9 ] . وما قال تعالى : ومن يزل شح نفسه ، ونظير ذلك قوله تعالى : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ [ الفلق : 5 ] . والحسد مقرون بالنعمة ، فلو أنه شرع للإنسان أن يستعيذ باللّه من وجود الحاسد لكان ذلك استعاذة من وجود النعمة ، فإن الحاسد لا يفقد إلا بفقد النعمة ، ومعلوم أن نعمة مع حسد خير من نقمة بلا حسد . فاسلك يا أخي على يد شيخ حتى يخرجك من ضيق الشح والبخل إلى ساحة الجود والكرم ، فتكون محبوبا للناس ولو كنت فاسقا ، بخلاف ما إذا كنت شحيحا بخيلا ، فإنك تكون مبغوضا لهم ، ولو كنت على عبادة الثقلين ، ولا شك أن محبة أخينا المسلم لنا أنفع من أكلة نلقيها عذرة في الخلاء وعلينا تبعتها وحسابها في الآخرة ، فأكثر من العزومات على الإخوان جهدك ليأخذوا بيدك إذا عثرت في الدنيا والآخرة ، لكن عند وجود ذلك من حلال من غير تكلف ، وإذا علم الحق تعالى من قلبك السخاء والكرم أجرى على يديك أرزاق الخلائق بقدر ما عندك من ذلك ، فطوبى للأجواد . وفي المثل السائر : إذا قل مال المرء وإطعامه الطعام قلت أصدقاؤه . وإيضاح ذلك أن الغالب على أصدقاء الزمان العلل النفسانية التي تميل إليها النفوس ، فلا يصحبون شخصا إلا ويشركون معه محبة إحسانه ، وإذا انتفى إحسانه لا يكادون يقدرون على نفوسهم أن تميل إليه كل ذلك الميل الكلي ، بحيث يكون عندهم كمن يطعمهم ويحسن إليهم أبدا ، والدين ما قام إلا بالعصبية والمعاضدة ولا تقع عصبية وتعاضد قوم إلا بإحسانهم إلى بعضهم ، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب . وسمعت سيدي بدر الدين التوزي يقول : من مد يده بالإحسان إلى الناس نفذت كلمته فيهم ، ومن بخل عليهم حرم انقيادهم له . وسمعته مرة أخرى يقول : من مدّ يده إلى الأخذ من الولاة وغيرهم قصرت كلمته ويده عندهم ، ومن زهد فيما بأيديهم ورد كل ما أعطوه له عليهم طالت كلمته ويده عندهم . فتحبّب يا أخي إلى إخوانك بالإحسان بكل ما تقدر عليه لا سيما إن كنت تدعوهم إلى اللّه ، واللّه يتولى هداك . وروى أبو داود وابن ماجة وابن حبان في « صحيحه » : « أنّ جماعة قالوا : يا رسول اللّه إنّا نأكل ولا نشبع ، قال : تجتمعون على طعامكم أو